عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

25

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 10 ] وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 10 ) لمّا أمر الخلق بمتابعة الأنبياء ، ثمّ خوّفهم بعذاب الدّنيا وهو قوله : وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها ، وبعذاب الآخرة وهو السّؤال ووزن الأعمال رغبهم في دعوة الأنبياء في هذه الآية بطريق آخر ، وهو أنّ ذكر كثرة نعم اللّه عليهم ، وكثرة النّعيم توجب الطّاعة فقال : وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ أي : جعلنا لكم فيها مكانا وقرارا ومكّنّاكم ، والمراد بالتّمكين التمليك والقوة والقدرة . قوله « وجعلنا لكم » يجوز أن يكون « جعل » بمعنى « خلق » فيتعدّى لواحد فيتعلّق الجاران ب « الجعل » ، أو بمحذوف على أنّهما حالان من « معايش » لأنهما لو تأخرا لجاز أن يكونا وصفين . ويجوز أن تكون التصييريّة فتتعدّى لاثنين أوّلهما : « معايش » ، والثّاني أحد الجارين ، والآخر : إمّا حال متعلّقة بمحذوف ، وإمّا متعلّقة بنفس الجعل وهو الظّاهر . و « معايش » جمع معيشة ، وفيها ثلاثة مذاهب : مذهب سيبويه « 1 » والخليل : أنّ وزنها مفعلة بضمّ العين ، أو مفعلة بكسرها ، فعلى الأوّل جعلت الضّمّة كسرة ، ونقلت إلى فاء الكلمة . وقياس قول الأخفش « 2 » في هذا النّحو أن يغيّر الحرف لا الحركة ، ف « معيشة » عنده شاذّة إذ كان ينبغي أن يقال فيها معوشة . وأمّا على قولنا إنّ أصلها « معيشة » بكسر العين فلا شذوذ فيها ومذهب الفرّاء « 3 » : أنّ وزنها مفعلة بفتح العين ، وليس بشيء . والمعيشة اسم لما يعاش به أي : يحيا وقال الزّجّاج : المعيشة ما يتوصلون به إلى العيش وهي في الأصل مصدر ل « عاش » يعيش عيشا ، وعيشة قال تعالى : فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ [ الحاقة : 21 ] ، ومعاشا : قال تعالى : وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً [ النبأ : 11 ] ، ومعيشا قال رؤبة : [ الرجز ] 2406 - إليك أشكو شدّة المعيش * وجهد أعوام نتفن ريشي « 4 » والعامّة على « معايش » بصريح الياء . وقد خرج خارجة « 5 » فروى عن نافع « معائش » بالهمز ، وقال النّحويّون « 6 » : هذا غلط ؛ لأنّه لا يهمز عندهم إلا ما كان فيه حرف المدّ زائدا نحو : صحائف ومدائن ، وأمّا « معايش » فالياء أصل ؛ لأنها من « العيش » .

--> ( 1 ) ينظر : الكتاب لسيبويه 2 / 364 - 367 . ( 2 ) ينظر : معاني القرآن للأخفش 2 / 293 . ( 3 ) ينظر : معاني القرآن للفراء 1 / 373 . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) ينظر : السبعة 278 ، والحجة 4 / 7 ، وإعراب القراءات 1 / 176 ، وإتحاف 2 / 44 . ( 6 ) ينظر : الدر المصون 3 / 237 .